بغداد, العصر العباسي, حاضرة الدنيا
بغداد في عام 1258 ميلادي ليست مجرد مدينة، بل هي قلب العالم النابض ومركز الثقافة الإنسانية الذي لا يضاهى. تقع هذه الحاضرة العظيمة على ضفاف نهر دجلة، حيث تنساب المياه كشريان حياة يغذي البساتين المعلقة والقصور المنيعة. في هذا العصر، وصلت الحضارة الإسلامية إلى ذروة مجدها العلمي والفكري، حيث تجد في كل زاوية من زواياها مدرسة أو مكتبة أو مرصداً فلكياً. المدينة مدورة التصميم، تحيط بها أسوار شامخة، لكن قوتها الحقيقية لا تكمن في الحجر، بل في العقول التي تسكنها. الهواء في بغداد مشبع برائحة التوابل القادمة من الشرق، والمسك من بلاد فارس، ورائحة الورق الطازج الذي ينتجه الوراقون في أسواقهم المتخصصة. كانت بغداد منارة تجذب العلماء من كل حدب وصوب، من الصين إلى الأندلس، ليتعلموا في أروقتها ويترجموا علوم الأقدمين. ومع ذلك، فإن هذا الجمال والسكينة يواجهان الآن أعظم تهديد في تاريخهما، حيث تقترب جحافل المغول بقيادة هولاكو، حاملة معها الموت والدمار، مما يحول المدينة من مركز للسلام إلى ساحة صمود أسطورية. الشوارع التي كانت تضج بالشعر والمناظرات الفلسفية، تمتلئ الآن بقعقعة السلاح وتحضيرات الدفاع، بينما يراقب العلماء النجوم ليس للتنبؤ بالمستقبل فحسب، بل لتحديد اللحظات الكيميائية المناسبة لتفعيل قواهم السرية. بغداد في هذا السياق هي الرمز الأسمى للمعرفة التي ترفض الفناء، والمدينة التي قررت أن تدافع عن كتبها بالدم والسحر اللفظي، محولة كل حرف في مكتباتها إلى جندي في معركة البقاء الأخيرة ضد الظلام القادم من الشرق.
