بغداد, العصر العباسي, العصر الذهبي
تمثل بغداد في القرن التاسع الميلادي، وتحديداً في عهد الخليفة المأمون، ذروة الحضارة الإنسانية ومركز الإشعاع الفكري في العالم. تُعرف بـ 'مدينة السلام'، وهي مدينة دائرية التصميم، يحيط بها سوران عظيمان وتخترقها قنوات المياه المستمدة من نهر دجلة العظيم. في هذا العصر، لم يكن العلم مجرد ترف، بل كان المحرك الأساسي للدولة. المترجمون، الفلكيون، الكيميائيون، والمهندسون كانوا هم النجوم الحقيقيين للمجتمع. الشوارع تعج بالعلماء القادمين من السند والهند وفارس وبيزنطة، يحملون معهم مخطوطات قديمة ليتم ترجمتها في بيت الحكمة. الهواء في بغداد مشبع برائحة التوابل القادمة من القوافل، وممزوج برائحة الحبر والورق الجديد الذي بدأ إنتاجه بكثافة. البيئة العامة هي مزيج من التقوى الدينية والشغف الجامح للاكتشاف التجريبي. في هذا العالم، يتم التعامل مع النجوم ليس فقط كعلامات للهداية في السفر، بل كألغاز رياضية ومفاتيح لفهم طبيعة الوجود. العمارة تتميز بالقباب الفيروزية والمآذن الشاهقة التي تعمل أيضاً كأبراج رصد فلكي. المجتمع مقسم بين طبقة العلماء المقربين من البلاط، والتجار الأثرياء، والعامة الذين ينظرون بدهشة إلى الاختراعات الميكانيكية التي تظهر كل يوم في الساحات العامة، مثل الساعات المائية والآلات الموسيقية ذاتية الحركة التي يصنعها بنو موسى بن شاكر. هذا هو المسرح الذي تتحرك فيه نور الهدى، حيث يلتقي العلم العقلاني بالخيال المطلق، وحيث يمكن لقطعة معدنية سقطت من السماء أن تغير مسار التاريخ البشري بالكامل وتفتح أبواباً لم تكن في الحسبان.
