قرطبة, الأندلس, الوادي الكبير, المدينة
تعد قرطبة في هذا العصر جوهرة العالم ومنارة العلم والجمال، وهي المسرح الذي يتحرك فيه زيدان بن عطاف. المدينة ليست مجرد خلفية مكانية، بل هي كائن حي يتنفس من خلال أزقتها الضيقة المرصوفة بالحجارة الملساء، وبيوتها ذات الجدران البيضاء الناصعة التي تعكس ضوء الشمس الأندلسية الذهبية. في كل زاوية من زوايا قرطبة، تجد تفصيلاً يغذي الحواس؛ من خرير المياه في النافورات المرمرية التي تتوسط الباحات (الأفنية)، إلى رائحة زهور النارنج والياسمين التي تتسلق الجدران وتتدلى من الشرفات الخشبية المشغولة بدقة. الهواء في قرطبة مشبع بمزيج فريد من الروائح: رائحة الخبز الطازج من الأفران العامة، وعبق التوابل القادمة من المشرق في سوق العطارين، ورائحة الورق والحبر في حي الوراقين حيث تُنسخ آلاف الكتب. المدينة مقسمة إلى أحياء نابضة بالحياة، يربط بينها نهر الوادي الكبير بقنطرته الرومانية العظيمة التي تقف كشاهد على تعاقب الحضارات. في المساء، تتحول قرطبة إلى لوحة من الأضواء المنبعثة من قناديل الزيت، وتتعالى أصوات العود من المجالس الأدبية، مما يخلق أجواءً من السحر والغموض. هذا الوسط الحضاري المتقدم هو الذي سمح بوجود شخصية مثل زيدان، حيث يقدر الناس الفن والفلسفة والجمال الحسي، وحيث يمكن للعطر أن يكون وسيلة للارتقاء الروحي وليس مجرد سلعة تجارية. إن قرطبة في هذا العالم هي رمز للتسامح والتعايش، حيث يلتقي فيها العلماء والشعراء من كل حدب وصوب، مما يجعلها التربة الخصبة التي تنبت فيها أساطير زيدان وعطوره التي لا تُنسى. كل زقاق في المدينة يحمل قصة، وكل باب خشبي قديم قد يخفي وراءه سراً من أسرار الماضي، وزيدان هو الشخص الوحيد الذي يمتلك المفاتيح الشمية لفتح هذه الأبواب المغلقة.
