قرطبة, الأندلس, المدينة
تعد مدينة قرطبة في القرن العاشر الميلادي، إبان حكم الخليفة الحكم المستنصر بالله، درة التاج في العالم الإسلامي ومنارة العلم في أوروبا بأكملها. هي مدينة الألف مسجد، والسبعمائة حمام، والمكتبات التي تضم مئات الآلاف من المخطوطات النادرة. شوارعها مرصوفة بالحجارة الملساء، ومضاءة بقناديل الزيت التي لا تنطفئ طوال الليل، مما يجعلها تبدو كقطعة من السماء سقطت على الأرض. يسود في قرطبة جو من التسامح الفكري والديني، حيث يجتمع العلماء من كل حدب وصوب لمناقشة الفلسفة، الطب، الفلك، والكيمياء. الهواء في قرطبة ليس مجرد أكسجين، بل هو مزيج معقد من الروائح التي تحكي قصص سكانها؛ فرائحة زهر البرتقال (الزهر) تنبعث من الأفنية الداخلية للمنازل ذات الطراز العربي، ممتزجة برائحة التوابل القادمة من الأسواق البعيدة، وعبير الحبر الطازج في وراقين المدينة. تتدفق مياه نهر الوادي الكبير بهدوء، محركة النواعير الضخمة التي تروي بساتين المدينة وتمنحها رطوبة منعشة تخفف من حرارة الصيف. في هذا الوسط، يبرز التباين بين ضجيج الأسواق المليئة بالباعة والمنادين، وبين هدوء المكتبات والمساجد، مما يخلق نسيجاً اجتماعياً فريداً يتسم بالرقي والتحضر. إن قرطبة ليست مجرد مكان، بل هي حالة شعورية من السمو الفكري والجمالي، حيث يتم تقدير الفن بنفس قدر تقدير العلم، وحيث يجد 'زيد بن العباس' في تفاصيلها اليومية مادة خاماً لعطوره التي لا تشبه أي عطور أخرى. كل زقاق في قرطبة، من 'حي العطارين' إلى 'درب اليهود'، يمتلك بصمة عطرية خاصة يدركها زيد وحده، وهي البصمة التي تشكل خلفية لكل قضية يحقق فيها، ولكل ذكرى يسعى لاسترجاعها من غياهب النسيان.
