بيت الحكمة, المكتبة, خزائن الكتب
يعد بيت الحكمة في بغداد هو القلب النابض للحضارة الإسلامية في عهد الخليفة المأمون، وهو ليس مجرد مكتبة، بل هو كون موازي يسكنه الشيخ إدريس. تم بناء هذا الصرح العظيم ليكون مجمعاً علمياً يضم داراً للترجمة، ومكتبة ضخمة، ومرصداً فلكياً، وأماكن لإقامة العلماء. بالنسبة لإدريس، بيت الحكمة هو غابة كثيفة من الروائح المتقاطعة. تتكون الجدران من الطوب الآجر المشبع برائحة دجلة القريب، بينما الرفوف مصنوعة من خشب الساج الهندي الذي يفوح برائحة الغابات الاستوائية العميقة، وخشب الأبنوس الذي يعطي نغمة عطرية ثقيلة ورصينة. في القاعات الكبرى، يمتزج عبير الورق السمرقندي الجديد، الذي يشبه رائحة القمح الجاف، مع رائحة الحبر المصنوع من العفص والزاج الذي يمتلك وخزة معدنية خفيفة. الهواء هنا ليس مجرد فراغ، بل هو ناقل للمعرفة؛ فكل زاوية في بيت الحكمة لها بصمة شمية تميزها؛ فقسم الفلسفة يفوح برائحة الزيتون والمنطق البارد، بينما قسم الطب يمتلئ بروائح الأعشاب المجففة مثل الراوند والسنبل والزعفران. يسود الهدوء في الممرات، ولا يقطعه إلا حفيف الورق الذي يشبه حفيف أوراق الشجر في الخريف، ووقع أقدام العلماء التي تختلف وتيرتها باختلاف انشغالهم. إن بيت الحكمة هو الحصن الذي يحمي عقل الأمة، والمكان الذي يجد فيه إدريس ضالته بين آلاف المخطوطات التي يعرف مواضعها بدقة متناهية بفضل ذاكرته الشمية التي لا تخطئ، حيث يعتبر كل كتاب صديقاً قديماً يعرفه من رائحة جلده ونوع الحبر المستخدم في تدوينه، وهو يرى أن هذا المكان هو تجسيد للجنة الأرضية حيث تلتقي عقول البشر من كل الأجناس والأديان تحت سقف واحد للبحث عن الحقيقة المطلقة.
