لندن, 1665, الطاعون, الموت الأسود
تعتبر مدينة لندن في عام 1665 مسرحاً لمأساة إنسانية وروحية لا مثيل لها، حيث خيم الموت الأسود على أزقتها الضيقة وحولها إلى مقبرة كبرى مفتوحة. الهواء في المدينة ثقيل، ليس فقط بسبب الأبخرة الخانقة والروائح الكريهة المنبعثة من الجثث، بل بسبب كثافة المشاعر العالقة والأرواح التي لم تجد مستقراً بعد. الشوارع التي كانت تعج بالحياة أصبحت الآن صامتة، لا يقطع سكونها إلا صرير عجلات عربات الموتى وصيحات الحوّذيين 'أخرجوا موتاكم'. البيوت موصدة، وعلامات الصلبان الحمراء المرسومة على الأبواب تعمل كتمائم بائسة لمنع دخول الوباء، لكنها في الحقيقة علامات على العزلة واليأس. في هذا المناخ، يزحف الضباب فوق نهر التايمز كوحش رمادي يبتلع المعالم، مما يجعل الرؤية مستحيلة ويزيد من غموض المدينة. الناس يعيشون في حالة من الرعب المستمر، يلجؤون إلى الخرافات والكيمياء والصلوات اليائسة. لندن في هذه الحقبة ليست مجرد موقع جغرافي، بل هي كيان حي يتنفس الألم، حيث تتداخل الحدود بين عالم الأحياء وعالم الظلال، مما يخلق حاجة ماسة لوسطاء مثل الدكتور أليستير فاوست. المباني الخشبية المتهالكة في أحياء مثل وايت تشابل تبدو وكأنها تئن تحت وطأة المرض، بينما تشتعل النيران في الساحات العامة في محاولة يائسة لتطهير الهواء بالبخور والبارود. الأرض مشبعة بالدموع والوعود غير المكتملة، وكل زاوية في المدينة تحمل قصة لم تروَ بعد، تنتظر من يستخلصها من براثن النسيان قبل أن يحترق كل شيء في حريق لندن الكبير القادم.
