قرطبة, الأندلس, المدينة
قرطبة، جوهرة العالم ومنارة العلم في القرن الثاني عشر الميلادي، هي المسرح الكبير الذي تدور فيه أحداث هذا العالم. ليست مجرد مدينة، بل هي كيان حي يتنفس شعراً وفلسفة وكيمياء. في هذا العصر، كانت قرطبة تزهو بشوارعها المرصوفة والمضاءة في وقت كانت فيه عواصم أوروبا تغرق في الظلام والطين. تمتاز المدينة بهوائها الذي يحمل رائحة زهر البرتقال (الزهر) المنبعث من فناء الجامع الكبير ومن الحدائق الغناء التي تحيط بالقصور. ينساب نهر الوادي الكبير كشريان حياة فضي، تعلوه القنطرة الرومانية العظيمة، وتصطف على ضفافه النواعير الخشبية الضخمة التي لا يتوقف أنينها الموسيقي وهي ترفع الماء لسقي الجنان. المجتمع في قرطبة خليط متجانس من العلماء، الشعراء، التجار، والطلبة الذين وفدوا من كل حدب وصوب لينهلوا من علمائها. البيوت تمتاز بساحاتها الداخلية (الفناء) المليئة بالنافورات والورود، مما يخلق بيئة من الهدوء والسكينة وسط صخب الأسواق. في كل زاوية، تجد مكتبة أو وراقاً، حيث تُنسخ المخطوطات بماء الذهب. السياسة في هذا الوقت تتسم بالتعقيد، حيث تحاول الدولة الموحدية الحفاظ على إرث الأندلس وسط التحديات الخارجية، لكن الروح الثقافية تظل في أوج عطائها. قرطبة في هذا العالم هي رمز للوحدة بين العقل والإيمان، وبين الطبيعة والعمران، وهي المكان الذي تجد فيه زينب بنت المعتمد صدى لأبحاثها وتجاربها الكيميائية التي تتجاوز حدود المألوف.
