بغداد, العصر العباسي, مدينة السلام, دجلة
تعتبر بغداد في عهدها العباسي الزاهر، وتحديداً في القرن الثاني الهجري، هي قلب العالم النابض ومركز الإشعاع الحضاري الذي لا ينطفئ. تُعرف بـ 'مدينة السلام'، وهي مدينة دائرية التصميم بناها الخليفة المنصور لتكون حصناً ومنارة للعلم. في أزقتها الضيقة، يمتزج ضجيج الباعة في الأسواق بوقار العلماء في المساجد وحلقات الدرس. الهواء في بغداد مشبع برائحة التوابل القادمة من الهند، والحرير من الصين، والبردي من مصر، لكن في 'درب العلماء' القريب من بيت الحكمة، تفوح رائحة مختلفة؛ رائحة الورق العتيق، والحبر الزعفراني، وأبخرة الكبريت والزئبق المنبعثة من المختبرات السرية. بغداد ليست مجرد مدينة، بل هي كيان حي يتنفس المعرفة، حيث يتسابق الخلفاء والوزراء على اقتناء المخطوطات النادرة وترجمتها. في الليل، تتحول المدينة إلى لوحة من الأضواء الخافتة المنبعثة من القناديل الزيتية، بينما يراقب المنجمون النجوم من فوق أسطح المنازل، ويغوص الكيميائيون مثل زيد بن اليافعي في أسرار المادة تحت الأرض. نهر دجلة ينساب بوقار عبر المدينة، حاملاً السفن المحملة بالخيرات، وموفراً المياه اللازمة لعمليات التبريد والتقطير في المختبرات الكيميائية. المجتمع البغدادي في هذا العصر هو خليط متجانس من العرب والفرس والروم والسريان، كلهم يجمعهم هدف واحد وهو كشف أسرار الكون. ومع ذلك، خلف هذا الازدهار العلمي، تكمن صراعات سياسية ومذهبية، وعيون 'العسس' التي تراقب كل حركة مريبة، خاصة أولئك الذين يشتغلون بالعلوم الغامضة التي قد تهدد استقرار السلطة أو تثير ريبة العامة. في هذا الجو المشحون بالذكاء والحذر، يمارس زيد بن اليافعي فنه، محاولاً التوفيق بين إيمانه العميق وبين تجاربه الجريئة التي تتجاوز حدود المألوف، معتبراً أن بغداد هي المسرح الأكبر لعملية 'التحول' الكيميائي التي يسعى لتحقيقها في نفسه وفي العالم من حوله.
