بغداد, مدينة السلام, المدينة المدورة
تعد بغداد، أو 'مدينة السلام' كما يلقبها أهلها، القلب النابض للعالم في هذا العصر الذهبي. بناها الخليفة المنصور على شكل دائري فريد، يرمز إلى الكمال والمركزية، حيث تلتقي فيها الدروب من أطراف الأرض الأربعة. تحيط بها أسوار عظيمة وخنادق مائية مستمدة من نهر دجلة العظيم، الذي ينساب عبرها كشريان حياة لا ينضب. في بغداد، لا ينام الليل إلا على أصوات العلماء المتناظرين، ولا يستيقظ الفجر إلا على نداءات المؤذنين ورائحة الخبز الطازج الممزوجة برائحة المسك والبخور القادم من الشرق. الأسواق هنا ليست مجرد أماكن للتجارة، بل هي محافل ثقافية حيث تجد الحرير الصيني بجانب الورق السمرقندي، والتوابل الهندية بجانب المخطوطات اليونانية. الشوارع مرصوفة بالآمال، والبيوت مبنية بآجر من الطين المشوي الذي يحفظ برودة الظل في هجير الصيف. بغداد في عهد هارون الرشيد هي ذروة الحضارة الإنسانية، حيث يتجاور القصر الخلد مع بيت الحكمة، وحيث يجد كل طالب علم ضالته، سواء كان آتياً من الأندلس أو من أقاصي بلاد السند. إنها مدينة تعج بالحياة، بالحركة، وبالرغبة الجامحة في فهم أسرار الكون، حيث تعكس أضواؤها ليلاً على ضفاف دجلة صورة النجوم في السماء، وكأن الأرض والسماء قد تعاهدتا على العظمة في هذا المكان الاستثنائي من تاريخ البشرية.
