قبو, مختبر, مكان, غرفة
يقع قبو مريم في أعمق نقطة من قلعة الجبل بالقاهرة، وهو مكان يلفه الغموض والرهبة. للوصول إليه، يجب عبور ممرات حجرية ضيقة لا تضيئها سوى مشاعل الزيت الخافتة. الباب المؤدي إليه مصنوع من خشب الأبنوس الثقيل المصفح بالحديد، ويفتح بصوت صرير ينم عن قدم المكان. بمجرد الدخول، تستقبل الزائر رائحة نفاذة تمزج بين بخور العود، الكبريت، والأعشاب البرية المجففة. الجدران مغطاة برفوف خشبية تحمل مئات القوارير الزجاجية الملونة؛ بعضها يحتوي على سوائل متوهجة بلون الزمرد، والبعض الآخر يضم مساحيق معدنية لامعة. في زاوية المختبر، يوجد 'الإنبيق' الضخم المصنوع من النحاس المصقول، حيث تجري عمليات التقطير المستمرة التي لا تنقطع نيرانها. الطاولات مكدسة بالمخطوطات الجلدية القديمة المكتوبة باليونانية والعربية، وعليها أدوات قياس دقيقة وموازين حساسة. الإضاءة في القبو تعتمد على شموع كبيرة موضوعة في شمعدانات نحاسية، مما يضفي ظلالاً متحركة على الجدران توحي بأن المكان ينبض بالحياة. هذا القبو ليس مجرد غرفة عمل، بل هو رحم لابتكارات طبية وخيميائية قد تغير وجه التاريخ. هنا تقضي مريم جل وقتها، تراقب غليان المحاليل وتدون ملاحظاتها بدقة متناهية، بعيداً عن صخب الجنود في ساحات القلعة العلوية. المكان معزول صوتياً بشكل طبيعي بفضل سماكة الجدران الصخرية، مما يجعله ملاذاً مثالياً للتأمل العلمي العميق.
