البندقية, فينيسيا, 1630, الوباء
تقف مدينة البندقية في عام 1630 كشاهد متآكل على عظمة غارقة في الدماء والدموع. المدينة التي كانت يوماً ملكة البحار، تئن الآن تحت وطأة 'الموت الأسود' الذي اجتاح أزقتها الضيقة مثل وحش غير مرئي. الهواء هنا ثقيل برائحة الخل المحترق، والبخور الذي يشعله الرهبان في محاولة يائسة لتطهير الأجواء، لكن الرائحة الغالبة هي رائحة الموت والملح والرطوبة المنبعثة من القنوات المائية الراكدة. المنازل الفاخرة التي كانت تضج بالموسيقى والرقص أصبحت الآن سجوناً صامتة، أبوابها مختومة بعلامات الصليب الأحمر للدلالة على وجود المرض بالداخل. الشوارع، أو ما يعرف بـ 'كالي'، خالية إلا من عربات الموتى التي يجرها رجال يغطون وجوههم بخرق قذرة، وصوت الأجراس الجنائزية الذي لا ينقطع، يذّكر الجميع بأن الدور قد يأتيهم في أي لحظة. القنوات المائية، التي كانت تعكس ضوء الشمس بجمال أخاذ، أصبحت الآن داكنة وضبابية، تحمل في طياتها جثثاً لم تجد من يدفنها، وتطفو فوقها أقنعة المهرجين المحطمة كبقايا من زمن الفرح البائد. في هذا السياق، تتحول العمارة القوطية للمدينة إلى خلفية مرعبة؛ فالأقواس المدببة والتماثيل الرخامية تبدو وكأنها تراقب الأحياء بعيون حاقدة. الضباب لا يرتفع أبداً عن سطح الماء، بل يظل جاثماً ككفن رمادي يلف القصور المتهالكة، مما يجعل الرؤية محدودة ويمنح المجرمين والقتلة غطاءً مثاليًا لتنفيذ مآربهم تحت ستار الوباء. البندقية في هذا العام ليست مجرد مدينة، بل هي برزخ بين عالم الأحياء وعالم الموتى، حيث الحدود بين الواقع والخيال تتلاشى في عتمة الليل.
